أخبار وطنية 400 روضة أطفال عشوائية: رياض الأطفال «القرآنية».. خطـر اختفى أم تــوارى عـن الأنـظـــــــار؟
انتشر في السنوات الأولى بعد الثورة التونسية مصطلح «رياض الأطفال القرآنية»، هذه الظاهرة التي أثارت اهتمام الرأي العام ووسائل الاعلام، حيث قامت وزارة المرأة في تلك الفترة بحصر قرابة 18 روضة قرآنية تنشط بطرق غير قانونية وهو العدد الذي تم الاعلان عنه بصفة رسمية، وبحكم قرارات الغلق التي نفذت بطلب من وزارة الداخلية ورئاسة الحكومة، تقلص عدد المدارس القرآنية بشكل لافت في السنوات الأخيرة، لكن هذا لا يعني اختفاء هذه الرياض، حيث أن البعض منها مازال ينشط لكن تحت لواء الجمعيات القرآنية، وذلك تجنبا للغلق والعقوبات وعدم الالتزام بكراس الشروط المفروضة على رياض الأطفال العادية.
والجدير بالذكر أن رياض الأطفال القرآنية حظيت ـ ولازالت ـ باقبال في الأوساط الشعبية لأسباب مختلفة ومتنوعة منها ماهو مرتبط بالظروف الاجتماعية وانخفاض أسعار التسجيل في هذه الرياض مقارنة برياض الأطفال العادية نظرا لكون الأولى لا تلتزم بأي آداءات كالضرائب أو اشتراكات الضمان الاجتماعي لموظفيها الذين يعملون دون غطاء قانوني، ومن الأسباب الأخرى هو استقطاب هذه المؤسسات للأولياء من خلال التركيز على مفهوم حفظ القرآن وتعلم اللغة العربية الفصحى.
من جهتنا ولئن عجزنا عن معرفة عدد رياض الأطفال القرآنية التي تنشط حاليا، نظرا لانعدام الاحصائيات الرسمية لدى سلطة الاشراف ونقصد وزارة المرأة والأسرة والطفولة، اضافة الى عدم اعتماد الوزارة لمصطلح «روضة أطفال قرآنية» فان آخر الاحصائيات التي تمكنا من رصدها عبر مصالح هذه الوزارة بين سنتي 2016 و2017 تبيّن وجود حوالي 400 مؤسسة عشوائية في بلادنا بين محاضن ورياض أطفال، وتمكنت الوزارة من غلق حوالي 300 روضة عن طريق السلط الجهوية كما تعهد 67 منها بتسوية وضعيتهم وتجاوز الاخلالات.
ولئن يرى البعض أن وجود رياض أطفال تعنى بتحفيظ القرآن الكريم، أمر لا يكتسي أي خطورة بل العكس هو الصحيح، فان الهياكل المعنية بالطفولة طالما عبرت عن خوفها من أدلجة الأطفال وزرع ثقافة رجعية ظلامية وحرمانهم من طفولة طبيعية، من جهة أخرى لا بدّ من الإشارة الى أن هذا الخوف ليس من تلقين القرآن الكريم لأن رياض الأطفال المرخصة لها تقوم بذلك أيضا لكن وفقا لمنهج مدروس وبالتوازي مع أنشطة مختلفة بعيدا عن كل ماهو تعصب أو زرع لأفكار قد تؤثر على التنشئة السليمة للأطفال.
رياض أطفال قرآنية متخفية تحت لواء الجمعيات
أنشئت جل رياض الأطفال القرآنية من قبل جمعيات دينية منها رابطة الجمعيات القرآنية، ومن بين رياض الأطفال القرآنية التي انتشرت في بلادنا نجد رياض الأطفال المنضوية تحت لواء رابطة نور البيان هذه الرابطة التي تعرف نفسها بما يلي:
هذه الفكرة التي تسمى نور البيان هو مشروع لأول مرة يطبق بالبلاد التونسية على يدي مؤسسه فضيلة الشيخ حمدي الغانمي.
«هذه الفكرة قضيتها تربية أبناء المسلمين منذ نعومة أظفارهم على خلق القرآن والسنة النبوية المطهرة بفهم سلف الأمة و ذلك بإعتماد منهج تعليمي تربوى مضبوط ينتهي به الطفل إلى حفظ القرآن الكريم كاملا مع التركيز على العمل به و الدعوة إليه منتهجين في ذلك نهج الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مع حفظ المتون العلمية وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والآداب والأذكار.
يطبق هذا المنهج بداية من سن ثلاث سنوات إلى إثنا عشرة سنة (وفيها يكون الطفل قد ختم القرآن الكريم كاملا بإذن الله مع حفظ بعض المتون العلمية والأحاديث النبوية والآداب والأذكار). ثم بعد ذلك تتمّ متابعة رجال الغد ودعاة المستقبل».
والجدير بالذكر أن هذه الرياض وقصد التملص من رقابة المتفقدين ووزارة المرأة تعتمد على القانون الأساسي للجمعيات القرآنية اي تعليم القرآن لكل الأعمار والفئات مما يجعلها خارجة عن طائلة القانون لأن وزارة المرأة لا تتدخل في هذه الحالات نظرا لاشرافها على قطاع الطفولة لا غير .
انـــكــــار وتنصــــــل
وهنا نشير الى أننا تحولنا الى إحدى المدارس القرآنية بجهة حي الحدائق بالعاصمة، في الباب الرئيسي اعترضت سبيلنا مجموعة من النسوة المحجبات ومنهن من كانت ترتدي النقاب، دخلنا للاستفسار حول طريقة التدريس والفئات التي تتلقى الدروس في هذه المدرسة، في البداية نفت المسؤولة عن هذه المدرسة وجود أطفال، لكن بمواجهتها باحدى الوثائق المعلقة على الباب الرئيسي والتي تؤكد تلقي الأطفال لدروس قرآنية بهذه المدرسة طيلة أسبوع كامل، ذكرت أن المدرسة تستقبل كل الفئات والشرائح العمرية وأنها تكتفي بتلقين القرآن الكريم وفق منهج مضبوط مشيرة الى أن المدرسة متحصلة على ترخيص من قبل رابطة الجمعيات القرآنية .
وبإلقائنا نظرة داخل إحدى القاعات وجدنا أن الحائط خال من كل أشكال الزينة أو الصورة التي توجد عادة في المدارس ورياض القرآن مع الاكتفاء ببعض الأوراق التي كتبت عليها معلومات تهم الرسول الأكرم وبناته، أما جدول الأوقات المخصص للأطفال فيتوزع كالتالي:
الجمعة: جزء «عمّ» : من 15:00 ــــ 17:00
السبت: جزء «عمّ» وجزء «تبارك من الساعة 10:00 الى الساعة 14:00
الأحد: جزء «المجادلة» و«عمّ» و»الشورى» من الساعة 8:30 الى غاية الساعة 16:30
وبتحولنا الى جهة حي الخضراء وتحديدا الى جامع الرحمة، شاهدنا لافتة كبيرة كتب عليها «الروضة القرآنية بجامع الرحمة»، ونظرا الى أن هذه الروضة كانت مغلقة، اتصلنا، بامام الجامع المسؤول عن هذه الروضة. في البداية أكد لنا أن الروضة تفتح أبوابها صباحا فقط، لكن وبعد اخباره بهويتنا، أكد أن الروضة هي في حقيقة الأمر «كتّاب» تتبع وزارة الشؤون الدينية وليس وزارة المرأة، وبسؤالنا إيّاه عن سر وجود اللافتة أكد أنها قديمة ولم يتم ازالتها..
نفس الأمر بالنسبة الى رياض الأطفال الأخرى التي أكد أصحابها أنها كتاتيب رغم وجود عبارة «روضة أطفال قرآنية» في مدخل الباب.
الـمـال الأجنــبـي الـــخليــجـــي
لا يختلف اثنان في كون بلادنا شهدت في فترة ما بعد الثورة تدفقا للمال الأجنبي، اضافة الى قدوم عديد المشائخ الذين يحملون في أغلبهم الفكر الوهابي المتطرف، كما لا يخفى على أحد ان هذا المال تحول على نطاق واسع الى الجمعيات المسيرة لهذه المدارس القرآنية وهو ما عزز انتشارها في وقت قياسي.
ختاما نشير الى أنه ولئن تقلص عدد رياض الأطفال القرآنية، التي تتبنى برامج دراسية لا تتماشي وعمر الأطفال فإن الخطر مازال قائما خاصة وأن جل هذه الرياض تتخفى اليوم تحت لواء الجمعيات القرآنية أو أسماء لا تدل على توجهها، كما أن رئاسة الحكومة مطالبة اليوم بتكثيف الرقابة نظرا لكون هذه المدارس ورياض الأطفال القرآنية تأسست ضمن أنشطة الجمعيات وان رئاسة الحكومة هي من تملك صلاحيات التدخل باعتبارها المانح للتراخيص وليس وزارة المرأة .
رئيسة الغرفة الوطنية لرياض ومحاضن الأطفال، نبيهة كمون توضّح
وبلقائنا برئيسة الغرفة الوطنية لرياض ومحاضن الأطفال، نبيهة كمون، أكدت أنه من الأفضل عدم اعتماد عبارة «روضة أطفال قرآنية» لأن البعض يرى في مراقبتها تهجما على القرآن والحال ان هذه الرياض اعتمدت هذا المصطلح لغايات تجارية بحتة لاستقطاب فئة معينة من الأولياء، وذكرت محدثتنا أن عدد هذه الرياض قلّ مقارنة بفترة حكم الترويكا حيث تفاقم آنذاك عددها قبل أن تختفي برحيل الترويكا ومنها من غيّر الاسم لكنها حافظت على نفس البرامج، مؤكدة أن هذه الرياض موجودة ولم تختف الى حدّ اليوم لكنها تنشط بطريقة سرية نظرا لكونها لا تلتزم بكروس الشروط ولا بالقوانين.
وذكرت نبيهة كمون أنه تم انشاء لجنة متابعات للفضاءات العشوائية بما فيها رياض الأطفال القرآنية في سبتمبر بالتعاون مع وزارة الداخلية، مؤكدة أن هذه اللجنة تفعّلت في بعض الولايات فقط كما أنه تم اقصاء الغرفة الوطنية لرياض ومحاضن الأطفال دون تقديم أي مبرّر.
وذكرت السيدة كمون أن من بين الأسباب التي تساهم في ارتفاع عدد رياض الاطفال والمحاضن العشوائية ما تعانية رياض الاطفال المرخص لها من صعوبات مادية حيث لا تكفي معاليم الترسيم لتوفير كل الخدمات، اضافة الى عجز هذه المحاضن عن تشغيل خريجي المعاهد العليا نظرا لعجزها عن تسديد الأجور. وأشارت الى أنّ باعث المحاضن مطالب بتشغيل خريجي المعاهد وعدم ادارته لمؤسسته، وهو ما دفع باللجنة الى المطالبة ببعث دورات تأهيلية استثنائية لباعثي رياض الأطفال ممن لديهم 5 سنوات خبرة ومستوى تعليمي باكالوريا يتحصلون على اثرها على شهادة تخول لهم ادارة مؤسساتهم وتعفيهم من تحمل مصاريف اكثر وبالتالي غلق الباب امام رياض الاطفال العشوائية التي تستغل ما تمر به المؤسسات القانونية من مشاكل مادية.
كما تؤكّد كمون أنّها طالبت بضرورة سنّ قانون يتضمن عقوبات بحق المخالفين، خصوصاً أصحاب رياض الأطفال غير المرخصة، والذين يعتمدون برامج غير مرخصة للتربية، لاسيما تلك التي تتولى تعليم القرآن. وأضافت أن المشروع ينص على أن تكون «عقوبة المخالفين دفع غرامة مالية والسجن في حال تكرار المخالفة، كما يحرم المسؤول من العمل».
وأكدت نبيهة كمون أنّ هذه العقوبات ستساهم في الحدّ من الانتهاكات، خصوصاً أن بعض المخالفين يعيدون فتح رياض الأطفال بعد إغلاقها تحت مسميات جديدة. كما طالبت برفع الميزانية المخصصة لقطاع الطفولة، ودعم جهاز الرقابة وزيادة عدد المراقبين، ودعم التنسيق بين مختلف أجهزة الرقابة داخل الجهات.
إعداد: سناء الماجري